الآلوسي

96

تفسير الآلوسي

أن الحرث هنا النساء والنسل الأولاد ، وعن الصادق أن الحرث في هذا الموضع الدين والنسل الناس ، وقرئ ( ويهلك الحرث والنسل ) على أن الفعل للحرث والنسل ، والرفع للعطف على * ( سعى ) * وقرأ الحسن بفتح اللام وهي لغة - أبى يأبى - وروي عنه ( ويهلك ) على البناء للمفعول . * ( واللَّهُ لاَ يُحبُّ الْفَسَادَ ) * لا يرضى به فاحذروا غضبه عليه ، والجملة اعتراض للوعيد واكتفى فيها على الفساد لانطوائه على الثاني لكونه من عطف العام على الخاص ، ولا يرد أن الله تعالى مفسد للأشياء قبل الإفساد ، فكيف حكم سبحانه بأنه لا يحب الفساد ، لأنه يقال : الإفساد - كما قيل في الحقيقة - إخراج الشيء عن حالة محمودة - لا لغرض صحيح - وذلك غير موجود في فعله تعالى ولا هو آمر به ، وما نراه من فعله جل وعلا إفساداً فهو بالإضافة إلينا ، وأما بالنظر إليه تعالى فكله صلاح ، وأما أمره بإهلاك الحيوان مثلاً لأكله فلإصلاح الإنسان الذي هو زبدة هذا العالم ، وأما إماتته فأحد أسباب حياته الأبدية ورجوعه إلى وطنه الأصلي ، وقد تقدم ما عسى أن تحتاجه هنا . * ( وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ) * * ( وَإذَا قيلَ لَهُ اتَّق اللَّهَ ) * في فعلك * ( أَخَذَتْهُ الْعزَّةُ ) * أي احتوت عليه وأحاطت به ، وصار كالمأخوذ بها ، والعزة في الأصل خلاف الذل وأريد بها الأنفة والحمية مجازاً * ( بالاِْثْم ) * أي مصحوباً أو مصحوبة به أو بسبب إثمه السابق ، ويجوز أن يكون - أخذ - من الأخذ بمعنى الأسر ، ومنه الأخيذ للأسير ، أي جعلته العزة وحمية الجاهلية أسيراً بقيد الإثم لا يتخلص منه * ( فَحَسْبُهُ جَهَنَّمِ ) * مبتدأ وخبر أي كافيه جهنم وقيل : جهنم فاعل لحسبه ساد مسدّ خبره ، وهو مصدر بمعنى الفاعل وقوي لاعتماده على - الفاء - الرابطة للجملة بما قبلها ، وقيل : حسب اسم فعل ماض بمعنى كفى - وفيه نظر - وجهنم علم لدار العقاب أو لطبقة من طبقاتها ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث ، وهي من الملحق بالخماسي بزيادة الحرف الثالث ووزنه فعنلل ، وفي " البحر " إنها مشتقة من قولهم : ركية جهنام - إذا كانت بعيدة القعر - وكلاهما من الجهم ، وهي الكراهية ، والغلظ ، ووزنها فعنل ، ولا يلتفت لمن قال : وزنها فعنلل كعرندس ، وأن فعنلا مفقود لوجود فعنل نحو دونك وخفنك وغيرهما ، وقيل : إنها فارسي وأصلها كهنام فعرّبت - بإبدال الكاف جيماً وإسقاط الألف - والمنع من الصرف حينئذٍ للعلمية والعجمة * ( وَلَبئْسَ الْمهَادُ ) * جواب قسم مقدر ؛ والمخصوص بالذم محذوف لظهوره وتعينه ، والمهاد الفراش ، وقيل : ما يوطئ للجنب - والتعبير به للتهكم - وفي الآية ذم لمن يغضب إذا قيل له اتق الله ولهذا قال العلماء : إذا قال الخصم للقاضي : اعدل ونحوه له أن يعزره ، وإذا قال له : اتق الله لا يعزره . وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه " إنّ من أكبر الذنب أن يقول الرجل لأخيه : اتق الله تعالى فيقول : عليك بنفسك عليك بنفسك " . * ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ واللَّهُ رَءُوفٌ بالْعِبَادِ ) * * ( وَمنَ النَّاس مَن يَشْري نَفْسَهُ ) * أي يبيعها ببذلها في الجهاد على ما روي عن ابن عباس والضحاك رضي الله تعالى عنهما أن الآية نزلت في سرية الرجيع ، أو في الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر على ما أخرج ابن جرير عن أبي الخليل قال : سمع عمر رضي الله تعالى عنه إنساناً يقرأ هذه الآية فاسترجع وقال : قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل . * ( ابْتغَاءَ مَرْضَات الله ) * أي طلباً لرضاه ، فابتغاء مفعول له ، ومرضات مصدر بني - كما في " البحر " - على التاء كمدعاة ، والقياس تجريده منها ، وكتب في المصحف - بالتاء - ووقف عليه - بالتاء والهاء - وأكثر الروايات أن الآية نزلت في صهيب الرومي رضي الله تعالى عنه ،